حسن الأمين

261

مستدركات أعيان الشيعة

ما ذا الذي فجع الهمام بوثبة وعدا على دمه وكان العادي قل للنوائب عددي أيامه يغني عن التعديد بالتعداد حمال ألوية العلاء بنجدة كالسيف يغني عن مناط نجاد لقضى لسانك مذ ذوت ثمراته أن لا دوام لنضرة الأعواد وقضى جنانك مذ قضت وقداته أن لا بقاء لقدح كل زناد بقيت أعيجاز يضل تبيعها ومضت هواد للرجال هواد يا ليت أني ما اقتنيتك صاحبا كم قنية جلبت أسى لفؤادي برد القلوب لمن تحب بقاءه مما يجر حرارة الأكباد ليس الفجائع بالذخائر مثلها باماجد الأعيان والأفراد ويقول من لم يدر كنهك أنهم نقصوا به عددا من الأعداد هيهات أدرج بين برديك الردى رجل الرجال وأوحد الآحاد لا تطلبي يا نفس خلا بعده فلمثله أعيا على المرتاد فقدت ملاءمة الشكول بفقده وبقيت بين تباين الأضداد ما مطعم الدنيا بحلو بعده أبدا ولا ماء الحيا ببراد الفضل ناسب بيننا إن لم يكن شرفي مناسبه ولا ميلادي إن لم تكن من أسرتي وعشيرتي فلأنت أعلقهم يدا بودادي لو لم يكن عالي الأصول فقد وفى شرف الجدود بسؤدد الأجداد لا در دري إن مطلتك ذمة في باطن متغيب أو باد إن الوفاء كما اقترحت فلو تكن حيا إذن ما كنت بالمزداد ليس التنافث بيننا بمعاود أبدا وليس زماننا بمعاد ضاقت علي الأرض بعدك كلها وتركت أضيقها علي بلادي لك في الحشا قبر وإن لم تاوه ومن الدموع روائح وغواد سلوا من الإبراد جسمك وانثنى جسمي يسل عليك في الإبراد كم من طويل العمر بعد وفاته بالذكر يصحب حاضرا أو بادي ما مات من جعل الزمان لسانه يتلو مناقب عودا وبوادي فاذهب كما ذهب الربيع واثره باق بكل خمايل ونجاد لا تبعدن وأين قربك بعدها إن المنايا غاية الأبعاد صفح الثرى عن حر وجهك إنه مغرى بطي محاسن الأمجاد وتماسكت تلك البنان فطالما عبث البلى بانامل الأجواد وسقاك فضلك أنه أروى حيا من رائح متعرس أو غاد جدث على أن لا نبات بأرضه وقفت عليه مطالب الرواد في هذه القصيدة يتفرد الشريف الرضي في طبيعته النجيبة العالية ، فهو يوجه أصدق الرثاء ( وهو ما تطفح به القصيدة ) إلى أبي إسحاق الصابي ، رغم المكانة الإسلامية المرموقة للشاعر الرضي ، والتي تجعله في موضع النقد واللوم ، وبالأخص من قبل الغرماء والحاقدين وحاسدي الشريف الرضي على مكانه وسمعته . ولم تكن الرثائية على هذا المستوي من التأسي والتفطر ألما وحسرة ، لو لم تكن لأبي إسحاق في نفس الشاعر الرضي مكانة خاصة ، هي مكانة المريد ، والموالي ، والمخلص ، والداعية الذي لم تقعده ديانته المعروف بها ، وظروفه المحرجة عن الإفصاح عن دعوته والجهر بها ، والعمل على إذاعتها . وظل الشريف الرضي يذكر ولاء أبي إسحاق الصابي لأسرته وله ، فظل يوافيه بالشعر الرثائي ، كلما رأى قبره ، معبرا بذلك عن أصالة الطبع ، وعلو النفس التي كانت فوارة بالآمال والأماني . وثمة ما يضاف إلى الأصالة والنجابة في طبيعة الشريف الرضي وهو يرثي أبا إسحاق الصابي ، وهو صفته القيادية غير الملموسة في رثائياته ، ولكنها مستشفة من خلال رعايته لأشخاص معينين ، لم يذكر أسماء بعضهم ، وهي رعاية القائد للجندي ، وتعاطفه معه ، وحدبه عليه ، وترحمه على ذكره . وقد أصاب الصابي من رثاء الشريف الرضي من صدق الوجد ما يحمل أكثر من دلالة على قوة الآصرة ومضمون الروحي والسياسي . وبعد أعوام من موت الصابي ، مر الرضي على قبره ، فقال : أيعلم قبر بالجنينة أننا أقمنا به ننعي الندى والمعاليا مررنا به فاستشرفتنا رسومه كما استشرف الروض الظباء الجوازيا وما لاح ذاك الترب حتى تحلبت من الدمع أو شال ملأن الأماقيا نزلنا إليه عن ظهور جيادنا نكفكف بالأيدي الدموع الجواريا ولما تجاهشنا البكاء ولم نطق عن الوجد إقلاعا عذرنا البواكيا أقول لركب رائحين تعرجوا أريكم به فرعا من المجد ذاويا ألموا عليه عاقرين فإننا إذا لم نجد عقرا عقرنا القوافيا ولو أنصفوا شقوا عليه ضمائرا وجزوا رقابا بالظبا لا نواصيا وقفنا فارخصنا الدموع وربما تكون على سوم الغرام غواليا ألا أيها القبر الذي ضم لحده قضيبا على هام النوائب ماضيا هل ابن هلال منذ أودى كعهدنا هلالا على ضوء المطالع باقيا وتلك البنان المورقات من الندى نواضب ماء أم بواق كما هيا وما كنت آبي طول لبث بقبره لو اني إذا استعديته كان عاديا وأضاف : خلا بعدك الوادي الذي كنت أنسه وأصبح تعروه النوائب واديا أراحت علينا ثلة الوجد ترتعي ضمائرنا أيامها واللياليا رضيت بحكم الدهر فيك ضرورة ومن ذا الذي يغدو بما ساء راضيا وطاوعت من رام انتزاعك من يدي ولو أجد الأعوان أصبحت عاصيا وطامنت كيما يعبر الخطب جانبي فالقى على ظهري وجر زماميا رثيتك كي أسلوك فازددت لوعة لأن المراثي لا تسد المرازيا وأعلم أن ليس البكاء بنافع عليك ولكني أمني الأمانيا وترد المعاني الوافرة للحب والتقدير ، وهي ترعى للصابي مجدا ، لم يكن مقصودا ، لو لم يكن للصابي من أكثر الدعاة تحمسا لحق الشريف الرضي في الخلافة . وبعد موت الصابي بنحو تسع سنين مر الشريف الرضي على قبره فقال : لولا يذم الركب عندك موقفي حييت قبرك يا أبا إسحاق كيف اشتياقك مذ نايت إلى أخ قلق الضمير إليك بالأشواق هل تذكر الزمن الأنيق وعيشنا يحلو على متأمل ومذاق وليالي الصبوات وهي قصائر خطف الوميض بعارض مبراق لا بد للقرناء أن يتزايلوا يوما بغدر قلى وعذر فراق أمضي وتعطفني إليك نوازع بتنفس كتنفس العشاق وأذود عن عيني الدموع ولو خلت لجرت عليك بوابل غيداق ولو أن في طرفي قذاة من ثرى وأراك ما قذيتها من ماقي